الشنقيطي

287

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عثمان ، ولا عليّ ، ولا الخلفاء الراشدون ، علمته أنت ! ؟ قال : فخجل . فقال : أقلني والمسألة بحالها . قال نعم . قال : ما تقول في القرآن ؟ فقال مخلوق . فقال : هذا شيء علمه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أو لم يعلموه ؟ فقال : علموه ولم يدعوا الناس إليه قال : أفلا وسعك ما وسعهم ! ؟ قال : ثمّ قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول : هذا شيء لم يعلمه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي ، ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت ! سبحان اللّه ! شيء علمه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ رضي اللّه عنهم ، والخلفاء الراشدون ولم يدعوا النّاس إليه ، أفلا وسعك ما وسعهم ؟ ؟ ثمّ دعا عمّارا الحاجب ، فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار ، ويأذن له في الرجوع ، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ، ولم يمتحن بعد ذلك أحدا . ا ه منه . وذكر ابن كثير في تاريخه هذه القصة عن الخطيب البغدادي ، ولمّا انتهى من سياقها قال : ذكره الخطيب في تاريخه بإسناد فيه بعض من لا يعرف ا ه . ويستأنس لهذه القصّة بما ذكره الخطيب وغيره : من أنّ الواثق تاب من القول بخلق القرآن . قال ابن كثير في البداية والنّهاية : قال الخطيب : وكان ابن أبي دؤاد استولى على الواثق وحمله على التّشديد في المحنة ، ودعا النّاس إلى القول بخلق القرآن : قال : ويقال إنّ الواثق رجع عن ذلك قبل موته . فأخبرني عبد اللّه بن أبي الفتح ، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن الحسن ، ثنا إبراهيم بن محمّد بن عرفة ، حدثني حامد بن العبّاس ، عن رجل عن المهتدي : أنّ الواثق مات وقد تاب من القول بخلق القرآن . وعلى كلّ حال فهذه القصة لم تزل مشهورة عند العلماء ، صحيحة الاحتجاج فيها إلقام الخصم الحجر . وحاصل هذه القصة التي ألقم بها هذا الشّيخ الذي كان مكبّلا بالقيود يراد قتله أحمد بن أبي دؤاد حجرا ، هو هذا الدّليل العظيم الذي هو السّبر والتّقسيم : فكان الشّيخ المذكور يقول لابن أبي دؤاد : مقالتك هذه الّتي تدعو النّاس إليها لا تخلو بالتّقسيم الصّحيح من أحد أمرين : إمّا أن يكون النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفاؤه الراشدون عالمين بها أو غير عالمين بها ولا واسطة بين العلم وغيره ؛ فلا قسم ثالث البتّة . ثم إنّه رجع بالسّبر الصّحيح إلى القسمين المذكورين فبين أنّ السبرّ الصّحيح يظهر أنّ أحمد بن أبي دؤاد ليس على كلّ تقدير من التّقديرين . أمّا على أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان عالما بها هو وأصحابه ، وتركوا الناس ولم يدعوهم إليها - فدعوه ابن أبي دؤاد إليها مخالفة لما كان عليه النّبيّ وأصحابه من عدم الدّعوة لها ، وكان يسعه ما وسعهم .